عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل )
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قَوْله : ( بِعَدْل تَمْرَة )
أَيْ بِقِيمَتِهَا لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ وَبِالْكَسْرِ الْحِمْل بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ , هَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ , وَقَالَ الْفَرَّاء : بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ , وَقِيلَ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ وَبِالْكَسْرِ فِي النَّظَرِ . وَأَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُمَا بِمَعْنًى كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْمِثْلِ لَا يَخْتَلِفُ . وَضُبِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ .
قَوْله : ( وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ )
فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن بِلَال الْآتِي ذِكْرُهَا " وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ " وَهَذِهِ جُمْلَة مُعْتَرِضَة بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاء لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهُ , زَادَ سُهَيْل فِي رِوَايَتِهِ الْآتِي ذِكْرُهَا " فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا " قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّدَقَةَ بِالْحَرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمُتَصَدِّقِ , وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ , وَالْمُتَصَدَّق بِهِ مُتَصَرَّف فِيهِ , فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْء مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُحَال .
قَوْله : ( يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ )
فِي رِوَايَةِ سُهَيْل " إِلَّا أَخَذَهَا بِيَمِينِهِ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم الْآتِي ذِكْرُهَا " فَيَقْبِضُهَا " وَفِي حَدِيثِ عَائِشَة عِنْدَ الْبَزَّارِ " فَيَتَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ " .
قَوْله : ( فَلُوَّهُ )
بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمُهْرُ لِأَنَّهُ يُفْلَى أَيْ : مُفْطَم , وَقِيلَ : هُوَ كُلّ فَطِيم مِنْ ذَاتِ حَافِر , وَالْجَمْع أَفْلَاء كَعَدُوّ وَأَعْدَاء . وَقَالَ أَبُو زَيْد : إِذَا فَتَحْت الْفَاءَ شَدَّدْت الْوَاوَ , وَإِذَا كَسَرْتهَا سَكَّنْت اللَّام كَجَرْو . وَضَرَبَ بِهِ الْمَثَل لِأَنَّهُ يَزِيدُ زِيَادَةً بَيِّنَةً , وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نِتَاج الْعَمَلِ وَأَحْوَج مَا يَكُونُ النِّتَاج إِلَى التَّرْبِيَةِ إِذَا كَانَ فَطِيمًا فَإِذَا أَحْسَنَ الْعِنَايَة بِهِ اِنْتَهَى إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ , وَكَذَلِكَ عَمَل اِبْن آدَمَ - لَا سِيَّمَا الصَّدَقَة - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَر اللَّه إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْت الْكَمَال حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ .
قَوْله : ( حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ )
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ " وَلِابْن جَرِير مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْقَاسِمِ " حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُد " يَعْنِي التَّمْرَة . وَهِيَ فِي رِوَايَة الْقَاسِم عِنْدَ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ " حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُد " قَالَ : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) وَفِي رِوَايَةِ اِبْن جَرِير التَّصْرِيح بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَام أَبِي هُرَيْرَة . وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيق الْقَاسِم أَيْضًا " فَتَصَدَّقُوا " وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُل فِي الْمِيزَانِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا .
أضف تقييمك
التقييم: 1.45 /10 (15 صوت)
<
Powered by v2.0.5 Copyright © dciwww.com
حـقـوق الـنـسـخ مـحـفـوظـة لـكـل مـسـلـم مـع الإشـارة لـلـمـوقـع
|